سيد قطب
2263
في ظلال القرآن
وَهُمْ رُقُودٌ . وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ . وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ . لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً ، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً » . وهو مشهد تصويري عجيب ، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف ، كما يلتقطها شريط متحرك . والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة . ولفظ « تَزاوَرُ » تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها . والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه . . وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة « 1 » : « ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ » . . وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها . وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون . « مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ . وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً » . . وللهدى والضلال ناموس . فمن اهتدى بآيات اللّه فقد هداه اللّه وفق ناموسه وهو المهتدي حقا . ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل ، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله اللّه إذن ، ولن تجد له من بعد هاديا . ثم يمضي السياق يكمل المشهد العجيب . وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة . فيحسبهم الرائي أيقاظا وهم رقود . وكلبهم - على عادة الكلاب - باسط ذراعيه بالفناء قريبا من باب الكهف كأنه يحرسهم . وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم . إذ يراهم نياما كالأيقاظ ، يتقلبون ولا يستيقظون . وذلك من تدبير اللّه كيلا يعبث بهم عابث ، حتى يحين الوقت المعلوم . وفجأة تدب فيهم الحياة . فلنظر ولنسمع : « وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ . قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ : كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . قالُوا : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً . إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ، وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً » . . إن السياق يحتفظ بالمفاجأة في عرض القصة ، فيعرض هذا المشهد ، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس . . إنهم يفركون أعينهم ، ويلتفت أحدهم إلى الآخرين فيسأل : كم لبثتم ؟ كما يسأل من يستيقظ من نوم طويل . ولا بد أنه كان يحس بآثار نوم طويل . « قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » ! ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها ، ويدعوا أمرها للّه - شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله - وأن يأخذوا في شأن عملي . فهم جائعون . ولديهم نقود فضية خرجوا بها من المدينة : « قالُوا : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً ، فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ » . . أي فليختر أطيب طعام في المدينة فليأتكم بشيء منه .
--> ( 1 ) فصل القصة في القرآن . في كتاب « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .